يوما ما دعا الجبلاوي أبناءه إلى مجلسه بالبهو
وجاء الأبناء جميعا, إدريس, وعباس, ورضوان ,وجليل ,وأدهم
على حين ساد الصمت بالبهو وخيل إلى الأخوة أن فتوة الخلاء قد نسيهم، وهو يبدو بطوله وعرضه خلقا فوق الآدميين كأنما من كوكب هبط وتبادلوا نظرات متساءلة، إن هذا شأنه إذا قرر أمرا ذا خطر, وما يقلقهم إلا أنه جبار فى البيت كما هو جبار فى الخلاء وأنهم حياله لا شئ
التفت الرجل نحوهم دون أن يبرح مكانه وقال بصوت خشن عميق
- أرى من المستحسن أن يقوم غيري بإدارة الوقف
وتفحص وجوههم مرة أخرى, ولكن لم تنم وجوههم على شئ
فضلا عن هذا فإدريس الأخ الاكبرهو المرشح الطبيعى للمنصب، فلم يعد أحد منهم يتساءل عما هنالك
أما الجبلاوى فاستطرد قائلا:
-وقد وقع اختيارى على أخيكم أدهم ليدير الوقف تحت إشرافى
عكست الوجوه وقع مفاجأة غير متوقعة، فتبودلت النظرات فى سرعة وانفعال
وتفجر الغضب فى باطن إدريس فبدا كالثمل من شدة مقاومته ونظر إليه إخوته بحرج، ودارى كل منهم غضبه لكرامته باحتجاجه الصامت على تخطى إدريس أما إدريس فقال بصوت هادئ كانما يخرج من جسم آخر : ولكن يا أبى
قاطعه الأب ببرود وهو يلتفت نحوهم: ولكن ؟
فغضوا الأبصار حذرا من أن يقرأ ما فى نفوسهم ، إلا إدريس فقد قال بإصرار: ولكننى الأخ الاكبر
فقال الجبلاوى مستاء: أظن أننى أعلم ذلك ، فأنا الذى انجبتك
فقال إدريس وحرارة غضبه أخذة فى الارتفاع: للأخ الاكبرحقوق لاتهضم إلا لسبب
فحدجه الرجل بنظرة طويلة كأنما يمنحه فرصة طيبة لتدبر أمره وقال
- أؤكد لكم إنى راعيت فى اخيتارى مصلحة الجميع.
تلقى إدريس اللطمة بصبر ينفد إنه يعلم كم يضيق أبوه بالمعارضه، وإن عليه أن يتوقع لطمات أشد إذا تمادى فيها، ولكن
الغضب لم يدع له فرصة لتدبر العواقب، فأندفع خطوات حتى كاد يلاصق أدهم، وانتفخ كالديك المزهو ليعلن للأبصار فوارق
الحجم واللون والبهاء بينه وبين أخيه، وانطلق الكلام من فيه بغير ضابط:
- إنى وأشقائى أبناء هانم من خيرة النساء، أما هذا فإبن جارية سوداء
شحب وجه أدهم الاسمر ,على حين لوح الجبلاوى بيده قائلا بنبرات الوعيد
- تأدب يا إدريس
ولكن إدريس كانت تعصف به عواصف الغضب المجنونة فهتف
- وهو أصغرنا أيضا، فدلنى على سبب يرجحنى به إلا أن يكون زماننا زمان الخدم والعبيد؟-.
- اقطع لسانك رحمة بنفسك يا جاهل
- إن قطع رأسى أحب إلىّ من الهوان
فأشار الجبلاوى نحوه بضحر وقال
- هذه إرادتى ، وما عليك إلا السمع والطاعة
- ما أهون الأبوة عليك ، خلقت فتوة جبارا فلم تعرف إلا أن تكون فتوة جبارا، ونحن أبناءك تعاملنا كما تعامل ضحاياك العديدين
اقترب الجبلاوى خطوتين فى بطء كالتوثب، وقال بصوت منخفض وقد أنذرت أساريره المتقبضة بالشر: اقطع لسانك
ولكن إدريس واصل صياحه قائلا:
-لن ترعبني, أنت تعلم أننى لا أرتعب، وأنك إذا أردت ان ترفع ابن الجارية على فلن أسمعك لحن السمع والطاعة.
- ألا تدرك عاقبة التحدى يا ملعون ؟
- لا تسبنى من أجل أدهم طوب الأرض يأبى ذلك ويلعنه ، وقراراك الغريب سيجعلنا أحدوثة الأحياء والحوارى
- أغرب بعيدا عن وجهى. .
- هذا بيتى، فيه أمى ، وهى سيدته دون منازع
- لن تُرى فيه بعد اليوم وإلى الأبد لا أنت أبنى ولا أنا أبوك، ولا هذا البيت بيتك، ولا أم لك فيه ولا أخ ولا تابع، أمامك الأرض الواسعة فاذهب مصحوبا بغضبى ولعنتى وستعلمك الأيام حقيقة قدرك وأنت تهيم على وجهك محروما من عطفى ورعايتى
وأنقض عليه الأب قبل أن يتقيه، وقبض على منكبه بقيضة كالمعصرة، ودفعه أمامه والآخر يتراجع وهبطا السلم وإدريس يتعثر ثم اخترق به ممرا حتى البوابة الكبيرة فدفعه خارجا وأغلق الباب وصاح بصوت سمعه كل من يقيم فى البيت:
الهلاك لمن يسمح له بالعودة أو يعينه عليها
منقول بتصرف من رواية اولاد حارتنا
****************************************
وخرج أدريس من البيت الكبير.. وحرم من من أدارة الوقف.. وحاول اكثر من مرة ان يستعيد مكانته ويدير الوقف الا انه فشل بسبب سطوة الجبلاوي وحمايته لادهم.. وفي كل مرة يفشل فيها كانت نفوذ و سمعة أدهم تزداد قوة على حساب أدريس الذي اوشك الناس على نسيانه
وانجب ادريس ابناء كثر لكنه لم ينس كيف انتزع أدهم ادارة الوقف منه وظل يلقن ابناؤه ما حدث حتى لا ينسوا.. وسار أبناء أدريس على نفس درب ابيهم في محاولة الاعتداء على أدهم و واسترداد ما لهم من حق مهدر الا انهم فشلوا في ذلك.. بل لقد خسروا في معاركهم المتتالية معه الكثير من تجارتهم وأموالهم فلم يزدهم الصراع سوى فقرا واهانة
وزاد على ذلك ان اصبح من المعتاد ان يغير ادهم و رجاله على متاجرهم و منازلهم ويحصل على ما يشاء منها بحجة الدفاع عن نفسه قبل ان يهاجمه ابناء ادريس .. ولم يعارضه احد لانه لم يعد احد يستطيع ان يقف امام أدهم المستند على سطوة ابيه الجبلاوي
حتى جاء يوم قرر احد ابناء ادريس ارسال رسالة الى الجبلاوي يقول فيها انه يقر و يعترف بحق ادهم في ادارة الوقف مقابل ان يسترد ما خسره في خلال الصراعات المتتالية من اموال وان يتم تعويضه عما خسره و ان يساعده الجبلاوي ويعامله كما يعامل باقي احفاده
وبالفعل وافق الجبلاوي الذي كان يأمل في ان يستميل موقفه هذا باقي ابناء ادريس لينهي الصراع قبل ان يموت ويفراق الحياة.. وبالرغم من عدم رضا أدهم الذي لا يثق في اي من ابناء ادريس الا انه وافق في النهاية ولم يظهر اعتراضه فقد كان مشهد طرد أدريس بعد معارضة امر الجبلاوي ما يزال ماثلا امامه
وتم الاتفاق بمباركة الجبلاوي
أثار هذا الموقف غضب ابناء أدريس جميعا.. وتبرأوا من اخيهم واصبحت عداوتهم له مماثلة لعداوتهم لأدهم
الا انهم شيئا فشيئا اصبحوا يميلون الى موقفه خصوصا بعد ما رأوه من تدليل الجبلاوي له و استقرار حاله و رواج تجارته على عكس تجارتهم
وعلم أدريس بما يدور في نفوس ابنائه.. فلم يزده هذا الا غضب و سخط فوق غضبه حتى انه قرر قتل الجبلاوي وحرق البيت الكبير بمن فيه.. وبالفعل نجح في اشعال النيران في البيت وكاد الجبلاوي ان يلقى حتفه في هذا الحادث الا انه نجا
وخرج الجبلاوي مطاردا أدريس الذي هرب الى الجبل ليختبئ هناك.. وخشى معظم ابناؤه من بطش جدهم وسارعوا اليه طالبين العفو و السماح مقدمين له فروض السمع و الطاعة.. اما من بقى منهم على موقفه من معاداة الجبلاوي و أدهم فقد لقوا أشد عقاب.. فبعد مطاردتهم ومحاصرتهم اعلن الجبلاوي ان من يتصل بهم او يبيع لهم او يشتري منهم او يصاهرهم سيلقى نفس المصير
وما زال الباقون من ابناء ادريس يأملون في ان يعود ابيهم من الجبل ليكمل مهمته ويقتل الجبلاوي و أدهم و نسوا امر الوقف بعد ان اصبح الانتقام هو غاية امانيهم..
اما أدهم فيأمل ان يتولى الزمن أمرهم.. فهو لا يستطيع ان يقتلهم بنفسه فيشعل نار الثأر في نفوس من عاد من ابناء ادريس الى كنف الجبلاوي من جديد
*****************************************
ويبقى الحال على ما هو عليه
ويستمر الحال على ما هو عليه
60 عام اخرى
تعيشوا و تفتكروا